رائحة العطر
يجلس على مكتب صغير بجانب النافذة حيث تتراءى له الشمس وهي تودع النهار ؛لكم كانت قوية ساعة الظهيرة وهاهي تبدو الآن شاحبة تنسحب ببطء لتترك مكانها لليل يخشى أن يكون عليه طويلا ...
عاد إلى الورق أمامه يعيد قراءة ما كتبه قبل لحظات ؛وإعادة كتابته مرة أخرى وتمزيقه... يبدو أن الأفكار بعدما كانت طوع بنانه هاهي تستعصي عليه وتتركه حائرا بين أبجدية تأبى أن تتحول لكلمات تترجم أفكاره ....
السلة بجانبه تبدو مملوءة بقطع الورق الممزق
يتنهد بصوت مسموع ثم يردد :
-تبا لا أستطيع أن أتصور نهاية لقصتي كأنني أصبت بشلل فكري ...
يفكر قليلا ثم يضيف:
- ماذا علي أن أفعل الآن لأعيد لعقلي حيويته وتصبح الكلمات طائعة لي كما كانت ؟ كيف أستطيع أن أجعل أفكاري تنتشي وتسكرني بخمرة حروف وكلمات أرصصها هنا ...
يصمت قليلا ثم يواصل حواره مع نفسه:
-ظننت أنه بمجيئي هنا وانعزالي في هذه الغرفة ستعود إلي قريحة الكتابة ؛ لكن يبدو أن ذلك لم يجد نفعا.... أنا هنا منذ أسبوعين وما زلت لم أزد حرفا واحدا عما كتبته ....
ينظر للأوراق أمامه ؛يقلبها ويعيد تقليبها بين يديه ؛ يعيد قراءة العنوان بصوت مرتفع :
-حين تنطق سلمى
ثم يقول بتنهد
- لماذا لا تساعدينني يا سلمى على نهاية قصتك ؟
يضحك ملء شدقيه ويواصل مستنكرا:
-ويلي لقد جننت أنا أكلم بطلة قصتي ويستمر في القهقهة بصوت مسموع أكثر هذه المرة قبل أن يضيف :
-وأكلم نفسي ثم يضحك مرة أخرى
يمسك بالقلم ويردد :
-حين تنطق سلمى ...لم اخترت هذا العنوان بالضبط ؟لم يسبق قط أن اخترت عنوانا لقصة لي قبل نهايتها...
ينظر لغلاف القصة ثم يضيف :
-ولم أصررت على صديقي أحمد الرسام أن يرسم صورة لامرأة خيالية تمسك بزجاجة عطر ... ؟لم غيرت من أسلوب كتابتي هذه المرة و بدأت بصياغة العنوان والبحث عن غلاف للقصة حتى قبل أن أنهيها....؟
وهو يتمشى في الغرفة ذهابا وإيابا يفكر بصوت مسموع :
-ربما هذا هو السبب في إصابتي الآن بمتلازمة الصفحة البيضاء ...يا إلهي هل حقا أعاني منها ؟سلمى أنقذيني أعلم أنك هنا أشم رائحة عطرك ذاك العطر الفرنسي الذي جعلتك تتميزين به
تظهر سلمى أمامه كما كانت تبدو صورتها على غلاف القصة
يفرك عينيه ؛ لا يصدق ما يراه؛ يقرص نفسه يصدر أصواتا ...
-ياإلهي هل أنا في حلم ؟ هل هذا هو حلم اليقظة ؟
ينظر حواليه ؛يغمض عينيه ويفتحهما ليتأكد أن ما يراه حقيقة ماثلة أمامه ...
ما زالت المرأة كما رآها وهي تمسك زجاجة العطر
-من أنت ؟
-أنا سلمى
-هل أنت في حلمي ؟
-لا أدري
-ماذا يعني ؟
-لا أعرف أنت الكاتب أنت المسؤول
-طيب هل أنت إنسية أم جنية ؟
-قلت لك لا أدري لا أذكر شيئا
-لكنك في القصة كنت تبحثين عن قاتل زوجك لتبرئي نفسك فالشرطة تشك بك ؛ أنت آخر شخص كان معه قبل موته ؛ وأول من لاحظ جثته ملقاة في المطبخ غارقة في بركة من الدماء والماء ؛ ولا شيء بجانبه يمكن اعتباره سلاحا للجريمة حتى المكان الذي سقطت فيه الجثة بدا مرتبا وخاليا من أي فوضى تدل على مقاومة وعنف ....
المنزل مقفل من الداخل ولا أثر لأية محاولة لاقتحامه
-نعم هذا مابدت عليه الأمور كما تخيلتها لكنني لا أذكر ماذا حصل ؟أنت السبب أنت من جعلني أفقد ذاكرتي
-فعلت ذلك لأمنحك فرصة لترتبي أمورك وتأكدي براءتك
-لم تأخذ رأيي في ذلك !! لقد عقدت الأمور أكثر فقط الآن الشرطة تشك بي وتفتش عني لهذا هربت وجئت إليك
-كيف أنني عقدتها ؟
-لم تنه القصة وتركتني كالمعلقة ومهددة بالدخول للسجن
-وماذا أفعل لقد غادرت المدينة ولجأت لهذا المنزل الريفي بعيدا عن الضوضاء لأكتب نهاية القصة وفي كل مرة لا تعجبني النهاية التي أختارها ...لاحظي كمية الأوراق الممزقة كلها كانت نهايات لقصتك ...
تتوجه بنظرها لسلة المهملات وتأخذ واحدة تفتحها وتقرأ:
"لم تكن سلمى حقا متأكدة أنها لم تقتل زوجها فهي لا تذكر شيئا عن ليلة موته ؛ الطبيب الشرعي يأكد بأن موته كان نتيجة لتلقيه ضربة على رأسه بشيء ثقيل قبل أن يسقط على حافة طاولة المطبخ ؛ لكن ما حير الشرطة أن أداة الجريمة مفقودة لم يجدوا سوى بقايا بركة صغيرة من الماء وآنية من البلاستيك مهشمة لايمكن أن تكون أداة للجريمة ...
وبعد مرور أيام على استجوابها تجد سلمى تمثالا مصغرا لأبي الهول كانت قد اقتنته خلال زيارتها الأخيرة لمصر تجده مكسورا ومدفونا في تراب حديقة منزلها الخلفية فيساورها الشك بأنها قد تكون القاتلة .."
مزقت الورقة وقطعتها قطعا صغيرة وهي تصرخ في وجه الكاتب
-تبا هل كنت تريد أن تجعلني قاتلة ؟أنا التي وثقت بك طوال مدة كتابة القصة ولم أخالف لك كل ما صنعت منه قدري ...
زوجتني من رجل أكبر مني سنا بكثير ورضيت ...كان يخونني كل مرة وتجعلني أسامحه ولم أحتج أملا في نهاية جميلة تجعلني أعيش ما تبقى من عمري بسلام ثم تجعلني الآن قاتلة بعد كل هذا الصبر والتحمل...
وتجهش بالبكاء
يحتار الكاتب يحاول تهدئتها يربت على كتفيها ويقول :
-لا تستائي ولا تحزني ألا ترين أنني لم أعتمد تلك النهاية تذكري أين وجدت تلك الورقة؟ أليس في سلة المهملات ؟
تمسح دموعها وتعود إليها بسمتها وتضيف :
-صحيح أرحتني الآن ...وماذا قررت كنهاية للقصة ؟
-ما زلت لا أدري
-ما رأيك أنت؟ ماذا تريدين كنهاية لقصتك ؟
-لا أستطيع أن أفكر بشيء أنسيت أني فاقدة للذاكرة لا أستطيع أن أساعدك... تصمت قليلا وتضيف
-سأجلس هناك وأراقبك من بعيد وأنت تكتب...
ثم تأخذ كرسيا في الجهة المقابلة وتنظر إليه
يبدو عليه التأفف واضحا فيرد عليها :
-لكني لا أستطيع أن أكتب وأحدهم يراقبني ؛ وهذا الجو المختنق ؛وهاته الحرارة المفرطة ؛ يلزمني مشروب منعش ...
يحاول أن ينهض ليذهب للثلاجة ليحضر ما يشربه
تقاطعه بحركة منها
-أنا من سيحضر لك شرابا منعشا انتظر ...
تسارع للثلاجة تفتحها ترى طوب الثلج كان قد وضعه بالأمس لياخذ حماما باردا قبل النوم ...
تقول بينها وبين نفسها
-كنت أعلم أنك تفعل ذلك وإلا لماذا جعلت زوجي يقوم به هو أيضا أن يحتفظ بطوب الثلج في البراد ليأخذ به حماما باردا ...هل تظن حقا أنني فقدت ذاكرتي أيها الكاتب الأبله أعلم نيتك المبيتة في أن تجعل مني قاتلة زوجي لتنتقم من فشلك في أن تظل رجلا تفي بحقوق زوجتك في الفراش ثم تضحك بصوت منخفض حين تدرك ما هي مقبلة على القيام به بعد لحظات
وفيما كان منكبا على المكتب تفاجأه بخبطة قوية على رأسه بطوب الثلج بكل ما أوتيت من قوة
يقع أرضا متخبطا بدمائه وحوله بركة من الماء والدم وآنية طوب الثلج من البلاستيك مهشمة
يظهر بعد ذلك المحقق يمسك مسودة الرواية حين تنطق سلمى
وهو يستجوب زوجة الكاتب
-أين كنت سيدتي حين سقط زوجك على حافة المكتب ؟ وما هذه البركة من الماء بجانبه ؟
تجيبه وهي مشدوهة
-لا أدري حقا يا سيدي لا أدري شيئا لا أتذكر أي شيء
ليست هناك تعليقات: