في طريق البحث عن يولاند

 
حين سمع نقرا على هاتفه أشبه برسالة صوتية ؛كان حمزة مستلقيا  على أريكته داخل غرفته يقلب قنوات التلفزة ؛وينظر للحاسوب أمامه يعبث بأزراره وبين الفينة والأخرى يتصفح الواتس أب على هاتفه ... 
و يرسل تنهيدة من فرط إحساسه بالملل  ؛لم تعد تستهويه جلسة المقهى مع أصدقائه ؛ ولا لعب البلياردو مع صديقه المفضل خالد ؛كل ذلك اصبح مملا ويثير في نفسه الشعور بالكآبة..
و هاهو يجلس الآن وحيدا داخل غرفته ينتظر لا شيء؛ ويفكر كيف سيستطيع أن يقتل هذا الفراغ الذي هاجمه دون استئذان ....
 تخرج من الجامعة  من سنتين ولا يرغب في البحث عن عمل فوالديه يوفران له كل ما يحتاجه من سبل للراحة... شقة مجهزة في أرقى الأحياء  ؛دخل قار ومستمر.... حياة ولا في الأحلام ؛ لكن مع ذلك يحس بشيء ما ينقصه ؛  شيء ما لو استطاع أن يعرف ماهو سيجعله مستمتعا أكثر بحياته فهو  لا يحس بالسعادة   مع توفر كل وسائل الراحة لديه ؛ لربما مغامرة تضيف لوجوده معنى وتجعله  لا يشعر  بهذا الإحساس بالتأفف الذي  يلازمه  منذ مدة ....
فتح الرسالة التي وصلته للتو من صديقه ياسر لم يسمع عنه من مدة ؛صوته بدا جادا وهو يقول :
"أهلا حمزة ما رأيك برحلة إلى يولاند منطقة جميلة بأرضها وسكانها وتنوع ثقافتها ؛ أنا متأكد أنك لم تفكر بها من قبل ؛ ستكون مغامرة شيقة لك ؛ أعلم أنك تحس بالملل لهذا فكرت بك فور ما تعرفت عليها ؛ هي أرض مازالت محافظة على نقائها    لا يصلها الكثيرون  فأهلها يحاولون بشتى الوسائل الابقاء عليها بعيدة عن الأعين فكر بالأمر لن تندم وستشكرني فيما بعد"
فور انتهائه من سماع الرسالة على الواتس اب نظر حمزة للمرآة قبالته كأنه يحدث نفسه من خلالها :
"يولاند اسم مغر لم أسمع به من قبل ترى أين تقع ؟وبأية لغة يتحدثون ؟   "
وقبل أن يطرح أسئلة أخرى على نفسه ؛سارع  إلى محرك البحث جوجل وكتب يولاند 
استغرب انه لا وجود لخريطة تقود إليها على الماب ؛بل بدا الاسم  لجوجل مجهولا  ولكأنه بضع حروف ركبت على عجل لتصير كلمة فارغة من اي معنى ...
هل كانت مزحة من صديقه  فكر لوهلة أن يتناسى الأمر ويعود لأريكته وملله ؛لكن حب الفضول دفعه لكتابة رسالة نصية له  
"ياسر لا أثر ليولاند على الخريطة ولا يبدو أن جوجل تعرف على الاسم  هل  كانت  مزحة منك صديقي ؟"
مرت لحظات قبل أن يرد عليه ياسر
ولشدة استغرابه كانت تأشيرة تسمح له بالذهاب إلى يولاند ؛وبطاقة تتضمن موقعها وسبل الوصول إليها ...
أصبح الأمر جادا ؛قضى أحمد ليلته يتقلب في فراشه وهو بين مستجيب ومنفر لفكرة السفر ؛ بين راغب و متكاسل ؛بالكاد استطاع أن يغمض عينيه ويأجل التفكير في  الأمر برمته ليوم آخر ؛ ففي الصباح تتجدد الأفكار ويصبح أخذ القرار سهلا واكثر منطقية وقبولا للعقل ...
وهكذا بدا عازما صباحا على حزم حقائبه والتوجه صوب يولاند ؛لديه تأشيرة وخريطة الطريق  ما عليه إلا أن يكون مستعدا لبدء مغامرة هو يحتاجها حقا لتضيف لحياته معنى وتغير من سيرها في خط واحد دون انحدارات ولا تعرجات ....
ستبدأ المغامرة من المطار حيث سيستقل الطائرة ثم بعدها سيارة أجرة  للوصول إلى المنطقة ؛لم يكن اجتيازه للجمارك في المطار صعبا ؛ وإن كان قد لاحظ استغراب رجل الجمارك وهو يوقع له جواز السفر وينظر لصديقه ويتغامزان وهما يفحصان التأشيرة  ؛كان يخشى أن تكون تاشيرته مزيفة فيضطر للعودة قبل حتى أن تبدأ المغامرة ؛ لكل كل شيء مر بسلام ؛ وكانت رحلته آمنة حتى أنه لم يجد صعوبة تذكر في وجود سيارة لتقله إلى عين المكان ....
لم يصدق عينيه حين وجد نفسه في مكان يسحر الألباب بأضوائه الساطعة وألوانه الزاهية...يبدو أن صديقه كان محقا في وصفه المكان جميل ورائحته طيبة تعج بالياسمين  بالمدخل لافتة كتبت بمختلف اللغات وبخط واضح ومذهب 
"يولاند المدينة الساحرة ترحب بكم "
بجانب اللافتة وقفت  فتيات ينتمين لثقافات مختلفة؛ بلباسهن التقليدي المعبر عن مختلف  بلدان العالم؛  بجمالهن الأخاذ  وبرقة ودلال   يبتسمن لكل وافد ....
بدا مشدوها وهن يصحبنه للمدخل الرئيسي كأمير تحف به حاشيته ؛ قبل أن يجد نفسه في بهو مزين بالزهور تتوسطه نافورة لم ير قط مثيلتها في الواقع ولا في النت ؛ قدم له مشروب لم  يذق ألذمنه في حياته ؛ وفجأة  ظهر شيخ مسن بلحية بيضاء وبوقار وهيبة؛ أشار للموسيقى  التي كانت تصدح بأجمل الألحان أن  تتوقف ؛ انتبه له   الجميع شبابا وأطفالا ؛شيوخا ونساء وهم  في أبهى صورة  مستعدين للإصغاء لما سيقوله 
اقترب الشيخ من حمزة وأشار إليه بسبابته  وخاطبهم 
"إنه هو "
لم يفهم حمزة ما يجري تركزت الأعين اتجاهه ؛  الجميع   ينظر إليه الآن ويبتسم 
تعالت الصيحات والهتافات وهم   يهللون باسمه ؛ بدوا كأنهم ينتظرون قدومه من مدة طويلة ...
 ارتمى البعض عليه يعانقه ؛ والآخر يحاول أن يقبل يديه وهو بين الحيرة والدهشة لا يدري ماذا سيفعل ...
 من كثرة تدافعهم أحس بالاختناق وهو يردهم عنه بالكاد يتنفس ؛انتبه له السائق وهو يسمع صوت شهيقه 
"مابك سيدي؟  في الحقيقة لقد استغربت حين طلبت مني أن أوصلك إلى يولاند ؛ لا أحد يزورها في فصل  أبريل ... ومع ذلك ها نحن وصلنا يمكنك النزول ..."
نظر حمزة حواليه مندهشا وهو مازال غير مصدق ما يجري حوله ؛ كان المكان عبارة عن مستنقع يعج بمختلف الحشرات التي سارعت إلى استقباله كأنها كانت في انتظاره من مدة طويلة 
سارع السائق الى غلق باب السيارة أمام اندهاش حمزة وهو يصرخ :
"ليست هذه يولاند "
رد عليه السائق :
"وهل سبق لك وزرتها ؟"
"لا لكنها ليست هي ما رأيت "
"وأين رأيتها ؟"
لم يستطع أن يرد عليه
" رأيتها في حلمي الآن "
 ظلت الجملة حبيسة حلقه وهو يرى السائق يغادر مبتعدا ويردد مقهقها 
"يبدو أنك وقعت في فخ كذبة أبريل يا صديقي" 


ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.