الباب رقم 21
"-ثريا أسمع صدى أصوات من بعيد "
وشوش بها حمزة وقد بدأت علامات الخوف تبدو على ملامحه والحروف يخرجها بصعوبة كأنه يتهجاها لأول مرة
التفتت ثريا إليه وهي تحاول أن تبدو غير مرتبكة
"-ألم أخبرك أنه منزل غير عادي أكيد هنا ستجد ما تبحث عنه"
نظر إليها بدهشة وقال:
"-ماذا تعنين؟"
كانت تركز بصرها أكثر على ما يحيط بالمنزل ؛
على الجانب الأيمن منه شجرة غير عادية بأغصانها الملتوية تبدو كإنسان في حالة سجود وعلى الجانب الأيسر صخرة شبه مرتفعة في قمتها يستقر تمثال لرأس أفعى وهو يبتلع حيوانا لا يتبين شكله ...
نقلت بصرها إليه وأضافت :
"-أحداث وقائع مغامرات حياة بأكملها قابعة هنا داخل ذاك القبو عليك أن تكتشفها لتتحرر من كوابيسك"
أجابها بأقصى سرعة وبدون تفكير
"-ستأتين معي طبعا"
بهزة من رأسها نفيا أضافت:
"-كنت أود ذلك لكني لا أستطيع "
بدا قلقا وهو يسألها :
"-لماذا ؟"
"-لدخول القبو يشترط أن يكون الانسان وحده ألم نقرأ ذلك معا في كتاب شمس الأحلام المزعجة ؛ ثم عليك أن تنتظر منتصف الليل لتقوم بذلك مازال الوقت مبكرا تعال نلقي جولة على المكان "
أخذته من يده التي بدت باردة وترتجف ؛ تأبطت ذراعه لتحسه بالأمان أكثر ...بدا بجانبها كطفل صغير يتشبث بملابس أمه ؛ ويأبى أن يترك يدها أو يبتعد عنها قيد أنملة ....
كان المنزل منعزلا وسط غابة كثيفة من أشجار الكاليبتوس والفلين يبعد عن الطريق الرئيسي بعدة أمتار ومع ذلك تستطيع أن تسمع هدير السيارات منه وهذا ما لم يستطيعان تفسيره ....
غابت الشمس وهما بجوار المنزل يتسكعان ويحاولان أن يستمتعا بالطبيعة حولهما وينشغلان بالحديث عن أي شيء إلا عما ينوي القيام به حمزة بعد لحظات وكلما اقترب منتصف الليل تزداد دقات قلبه وهو يدرك أنه بعد قليل سيواجه المجهول ؛ لا يعرف ماالذي ينتظره هناك ؟وما الذي سيحصل له؟ وهل سيبقى كما هو؟ وهل سيستطيع أن يجد الأجوبة لكل الأسئلة بداخله ؟
دقت الساعة منتصف الليل وهو مازال غارقا في بحر من هواجسه يأخذه المد تارة لأحلام وردية ويعيده الجزر لخوف موشك ...
نظرت إليه ثريا وابتسمت وهي تخبره أن الوقت حان لدخوله القبو ربتت على كتفه لتشعره بالأمان ؛بالكاد حاول أن يبتسم في وجهها ليخبرها ولو وهما أنه بخيروليشحن نفسه أيضا بحقنة من الشجاعة يحتاج إليها الآن أكثر من أي وقت مضى مع أنه بدا مضطربا وهو يمسك يديها بشدة لينزل السلالم ؛ يخطو بصعوبة كطفل يتعلم المشي ...
وقف أمام باب خشبي قديم له يد حديدية كتلك الأبواب التركية القديمة
فتح الباب لوحده بمجرد لمسة منه مما زاد في ارتباكه وهلعه ؛ هواء بارد لفح وجهيهما مسح بيده على وجهه وهو يحاول أن يخفي ارتعاشه حاول أن يعود للوراء ويصعد الدرج عائدا لكن رجله تسمرت هناك ؛ نظر لأمامه العتمة تخفي ما وراء الباب وتخفي معها خوفه مما ينتظره ...
ليس سوى ظلام حالك وهواء بارد ينبعث من المكان ؛ شجعته ثريا على الدخول بابتسامتها المغرية ...في حين خطت خطوات بعيدة خارجا ؛التفت إليها بصمت كأنه يودعها؛ تمتم بضع كلمات أغمض عينيه بخطى متثاقلة اتجه نحو الباب ودخل ؛أنفاسه تتلاهث تسمع عن بعد عملية شهيقه وزفيره ؛وبمجرد ما أصبح بالداخل سمع صريره وهو يغلق من جديد نظر وراءه فلم يرى أثرا للباب ووجد نفسه وحيدا في مكان موحش ومخيف يجهل ما سينتظره ....
كان الممر ضيقا وباردا وهو يلتمس طريقه في الظلام يقوده الخوف وبصيص من نور يظهر من بعيد ؛ كأنه خيط من خيوط القطن ذاك الذي كانت تغزله أمه وهو طفل صغير فيحلو له لأن يمسك طرفه ويلعب به على طول الغرفة
تحسس الجدران حواليه لم تكن عادية كبقية الجدران التي يعرفها بدت له رخوة كأنه يستطيع اختراقها بسهولة أو لا يستطيع مع تمددها أكثر لم يستطع التحقق من الأمر مع تصاعد الاندرينالين إلى رئتيه ؛ وجود جدران صلبة كان ليمنحه الأمان أكثر أما الآن يحس كأنه جندي وسط أرض مكشوفة لا يستطيع الاحتماء إن أصابه وابل من الرصاص ...
مرت لحظات بدت له زمنا طويلا وهو يقطع السرداب؛ الزمن هنا لا يقاس بوحداته المعروفة وإنما بكيفية مروره ؛هذا ما كان يفكر به حين وجد نفسه دون سابق إنذار أو إشارة توحي بذلك وسط نور ساطع لم تستطع عيناه التي تعودت الظلام ان تستوعبه؛ أغمض عينيه للحظات محاولا استكشاف المكان أولا بأذنيه؛ كانت قد أصبحت حاسة السمع لديه قوية يستشعر أدنى حركة ويرى من خلالها ما يعجز عن رؤيته بعينيه مع الظلام الحالك الذي كان يسير فيه قبل ذلك
ظل يسير مغمض العينين رغم النور الذي يحيط به الظلام كان قد استأنس به ؛ ظل يسير مستقيما وفق خط معين لا يفكر أبدا في الالتفات يمينا أو يسارا ؛كأن الطريق هو الذي يقوده ولا يدري إلى أين وكيف ؟ حتى وصل لبهو فسيح ؛ فتح عينيه ونظر حوله ؛ المكان شاسع جدا في سقفه قبة عالية من العهد الروماني وعلى أطرافه أبواب عدة مرقمة من 0إلى ما لانهاية لم يستطع حصر عددها الذي بدا له غير منته..
وقف حائرا مندهشا تتملكه مشاعر مختلطة ومربكة أكثر لا يعرف أي باب سيلجه ولا ماذا سينتظره وراء كل باب ؛ لبرهة تسمرفي مكانه ؛ حائرا بين تلك الاختيارات المتعددة التي وجد نفسه أمامها ؛حين كانت الطريق باتجاه واحد كان خوفه أقل حدة رغم جهله بما سيحصل بعد ذلك ؛ الآن وقد تعددت الأبواب وتعددت الاختيارات ازداد خوفه أكثر لما سينتظره ؛ فكل باب قد يقوده إلى شيء ما يجهله إما إلى الأمان أو إلى أن يلقى حتفه أو في حالة أخرى قد يكون إلى مغامرة شيقة أي رقم عليه أن يختار الآن ويكون به في مأمن ؟ أي اختيار خاطئ قد تكون نتيجته وخيمة ...
ظل لفترة يفرز الأرقام داخل ذاكرته ووقع اختياره أخيرا على الباب رقم 21 هذا الرقم يذكره باليوم الذي استقبل فيه أول مولود للحياة بيديه في أول تدخل له كطبيب نسائي ...
برجلين بالكاد يقويان على حمله دفع الباب ببطء؛ وهو يحاول أن يدخل جسمه تدريجيا ؛ أطل برأسه أولا ثم باقي جسده ليغلق الباب وراءه بقوة ارتعدت لها فرائصه بالكامل.
كان المكان عبارة عن غرفة مغلقة لا شيء بداخلها سوى طاولة وكرسي وعليها ورقة جريدة قديمة بتاريخ يعود لنهاية الحرب العالمية الثانية 21 يونيو 1945
مكتوب داخلها
"معركة أوكيناوا بين القوات اليابانية والقوات الأمريكية
الجيش العاشر
الفيلق 24
فرقة المشاة7
قلب الورقة بين يديه وهو يسترجع بعض الصور التي تقافزت إلى ذهنه بشكل غير مرتب ؛الطفلة وهي تصرخ في حلمه كان على ظهر كفها مرسوم الرقم 7 يتذكره الآن بوضوح لم ينتبه له من قبل حين وضعت يدها على وجهها الرقم بدا له واضحا الآن
الشاب الأشقر وهو يمد يده المضججة بالدماء إليه ؛ الصور تتراءى له في هاته اللحظة بكل بوضوح ؛ يحاول فك رموزها وإعادة تجميعها كبازل
انتبه لصوت مفاجئ يأتي من مكبر للصوت مدلى من سقف الغرفة ؛ يخبره أنه عليه أن يغمض عينيه ولا يفتحهما إلا بعد أن يأذن له بذلك ؛
بين الهلع والخوف أغمض عينيه ليحس بشيء ما يمسكه من وسط جسمه ؛ ولكأنه يطير به محلقا في الأفق ؛ لا يستطيع ان يلمس الأرض برجليه وهذا ما زاد من هلعه ؛ يحاول أن يتحسس الكائن الذي يمسكه فلا يستطيع لكأنه مشدود بشيء غير ملموس....
مر وقت ليس بالطويل قبل أن يحس بجلبة وصراخ وطلقات رصاص تتناهى إلى سمعه ؛ قبل أن تلمس قدماه أرضا صلبة ويطلب منه الصوت داخل أذنيه أن يفتح عينيه ؛ نظر حواليه فإذا هو وسط جزيرة وإذا الرصاص يتقاطر عليه من كل جانب وأصوات الدبابات تصم أذنيه ؛ بدافع غريزة حب البقاء سارع إلى أقرب مكان بين الأشجار ليحمي نفسه من وابل الرصاص ؛ وقبل أن يسمح لنفسه بالتفكير فيما يحصل له سمع صوتا خفيفا بجانبه فإذا هي طفلة صغيرة تقتات من مكب للنفايات قريبا منه؛ وإذا هو مختف وراء أكمة يراقبها وقد اقترب منها جنديان يتحدثان بلغة أنجليزية استطاع بالكاد أن يفهم ما يدور بينهما
أحدهما وقد وجه مسدسه نحوها والآخر يستنكر عليه ذلك ويقول له :
-"ويحك ليست إلا طفلة صغيرة"
تنظر إليهما الطفلة وتمد لصاحب المسدس المصوب نحوها ببرتقالة يبدو نصفها متعفنا والآخر في طريقه للتلف ...
مازال المسدس مصوبا نحوها قبل أن تسقط على الأرض قتيلة ؛ يصرخ الجندي في وجه صديقه موجها المسدس نحوه وهو يردد
-"لماذا؟ لماذا؟ "
وقبل أن يستوعب الآخر ما يجري تنطلق رصاصة من مسدس زميله ترديه قتيلا هو الآخر
كان حمزة يتابع ما يجري كأنه أمام شريط سينمائي وهو يرى الفتاة مازالت تمسك بالبرتقالة وتسبح في بركة من الدماء ويرى بين الأشجار شبحا يغادر مسرعا ....
يلتفت نحو الجندي الذي يقف مشدوها مما حصل ؛ينظر للمسدس بيده نظرة استنكار ومازال دخان الطلقة يخرج منه ؛ و ينظر لزميله وهو يودع الحياة ؛يلتفت حواليه ليتأكد ألا أحد رآه ؛يدفع بالجثتين في قعر حفرة ويطمرهما بالتراب ثم يعود لساحة المعركة كل هذا وحمزة يتابع المشهد بصمت ودهشة ....
وحتى قبل أن يفكر وجد نفسه ينبش الحفرة ويستخرج جثة الطفلة أولا وبعدها جثة الجندي الشاب؛ قبل أن تهب رياح شديدة جعلته يحاول أن يخفي وجهه بيديه من الغبار المتطاير ويجري بأقصى سرعة دون اتجاه معلوم ؛ليجد نفسه داخل كهف يلتمس طريقه بداخله تطارده الخفافيش ؛ يصرخ بأعلى صوته ليشتت انتباهها محاولا أن يجد طريقا للخروج من الجهة الأخرى قبل أن يستيقظ مفزوعا على صوت زوجته ثريا وهي تستعيذ من الشيطان الرجيم وتسأله عما به
يجيبها وهو مازال بين الحلم واليقظة أنه لا يدري...
ينظر حواليه شمس الصباح تطل من الغرفة وتبعث شعاعا يسترق النظر إليه ؛ينهض من فراشه وفي البهو يجد زوجته قد حضرت الفطور وبجانب كأس القهوة جريدته الصباحية كالعادة ؛ وبعنوان بارز يقرأ:
يتم العثور على بقايا جثتين من عهد الحرب العالمية الثانية بجزيرة أوكيناوا
جثة طفلة يابانية قتلت برصاص مسدس ياباني وجثة جندي أمريكي وقد قتل برصاص مسدس أمريكي ولا زالت الجثتان موضع جدل وتساؤل عما يمكن قد حصل لهما
ليست هناك تعليقات: